جريمة انتزاع حيازة عقار في قضاء محكمة النقض – 2008-2025
عبد العزيز البعلي
هذا الكتاب
تسعى الدراسة إلى استخلاص القواعد العامة والمبادئ القضائية التي أفرزتها محكمة النقض خلال الفترة الممتدة من سنة 2008 إلى 2025 ، وإبراز كيف أسهمت في بناء منظومة قضائية منسجمة ترفع من شأن الحيازة المادية وتحميها من كل اعتداء.
وتظهر أهمية هذا الجانب في كونه يجسد التطبيق العملي لما تم تأصيله نظريا ويبرهن على قدرة القضاء المغربي على المزج بين النصوص القانونية ومتطلبات الواقع العقاري وفي هذا الإطار، يمكن رصد معلمين رئيسيين في هذا المسار الاجتهادي، أولهما التحول المنهجي لمحكمة النقض في تفسير الحيازة الجنائية، وثانيهما استخلاص القواعد القضائية التي بلورتها عبر قراراتها المتواترة خلال المدة المدروسة.
فمن جهة أولى، يتبين أن محكمة النقض قد انتهجت مقاربة متجددة في تفسير مفهوم الحيازة، إذ لم تعد تنظر إليها كعنصر تابع لحق الملكية، بل كحالة واقعية تستحق الحماية الجنائية متى توفرت شروطها القانونية وقد أبرزت المحكمة من خلال قراراتها التفاعل البنّاء بين القضاء المدني والزجري، معتبرة أن وحدة الغاية تقتضي توحيد الفهم القانوني للحيازة بما يضمن الانسجام بين الفروع القضائية المختلفة.
كما رسخت المحكمة اتجاها يهدف إلى تغليب اعتبار الاستقرار الاجتماعي على مجرد حماية الحق العيني، إدراكا منها بأن الحيازة المادية تشكل ركيزة للأمن العقاري ومظهرا من مظاهر سيادة القانون. وقد انعكس هذا التوجه في عدة قرارات قضت فيها المحكمة بإدانة من انتزع الحيازة من الغير ولو كان يزعم الملكية، متى ثبت أن سلوكه أخل بالنظام العام العقاري، وهو ما يؤكد أن حماية الحيازة أصبحت أداة لتحقيق السلم الاجتماعي لا مجرد وسيلة لحماية مصلحة خاصة.
ومن جهة ثانية، يتجلى الدور المعياري لمحكمة النقض في صياغة قواعد قضائية راسخة من خلال قراراتها الصادرة في قضايا انتزاع الحيازة العقارية التي اتسمت بالاستقرار النسبي والاتساق في التفسير، مما مكن من بناء مرجعية قضائية مغربية واضحة المعالم في هذا المجال. وتنوعت القضايا التي بثت فيها المحكمة بين صور الجريمة الثلاث: الخلسة، والتدليس، والعنف، فاستخلصت منها قواعد عامة تُنظم علاقة الحائز بالغير، وتحدّد نطاق الحماية القانونية الممنوحة له، سواء في مواجهة الأفراد أو حتى في مواجهة الإدارة إذا تجاوزت نطاق سلطتها.
عبد العزيز البعلي
عبد العزيز البعلي